العيني
73
عمدة القاري
ذلك ، لأن اختلاف اللفظين يجوز ذلك ، ويحتمل أن يكون عطف تفسير . قوله : ( ثلاثة غرفات ) قال الكرماني : يحتمل أن يراد بها أنها كانت للمضمضة ثلاثاً وللاستنشاق ثلاثاً ، أو كانت الثلاث لهما ، ولهذا هو الظاهر . قلت : الظاهر هو الأول لا الثاني ، لأنه ثبت فيما رواه الترمذي وغيره : أنه مضمض واستنشق ثلاثاً . فان قلت : لا يعلم أن كل واحدة من الثلاث بغرفة . قلت : قد قلنا لك فيما مضى : إن البويطي روى عن الشافعي أنه روى عنه أنه : يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق ، وكل ما روي من خلاف هذا فهو محمول على الجواز . قوله : ( ثم أدخل يده ) يدل على أنه اغترف بإحدى يديه ، هكذا هو في باقي الروايات ، وفي مسلم وغيره ، ولكن وقع في رواية ابن عساكر وأبي الوقت من طريق سليمان ابن بلال الآتية : ( ثم أدخل يديه ) ، بالتثنية ، وليس كذلك في رواية أبي ذر ، ولا الأصيلي ، ولا في شيء من الروايات خارج الصحيح ، قاله النووي : ( ثم غسل يديه مرتين ) ، المراد : غسل كل يد مرتين ، كما تقدم من طريق مالك : ( ثم غسل يديه مرتين مرتين ) ، وليس المراد توزيع المرتين على اليدين ليكون لكل يد مرة واحدة . قوله : ( إلى المرفقين ) المرفق ، بكسر الميم وبفتح الفاء : هو العظم الناتىء في الذراع ، سمي بذلك لأنه يرتفق في الإتكاء ونحوه . قوله : ( إلى الكعبين ) الكعب هو العظم الناتيء عند ملتقى الساق والقدم . قال بعضهم : وحكي عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك . قلت : هذا مختلق على أبي حنيفة ، ولم يقل به أصلاً ، بل نقل ذلك عن محمد بن الحسن ، وهو أيضاً غلط ، لأن هذا التفسير فسره محمد في حق المحرم إذا لم يجد نعلين يلبس خفين يقطعهما أسفل من الكعبين بالتفسير الذي ذكره . 40 ( ( بابُ اسْتِعْمالِ فَضْل وَضُوءِ الناسِ ) ) أي : هذا باب في بيان استعمال فضل وضوء الناس في التطهر وغيره . والوضوء ، بفتح الواو ؛ والمراد من فضل الوضوء يحتمل أن يكون ما يبقى في الظرف بعد الفراغ من الوضوء ، ويحتمل أن يراد به الماء الذي يتقاطر عن أعضاء المتوضىء ، وهو الماء الذي يقول له الفقهاء : الماء المستعمل . واختلف الفقهاء فيه ؛ فعن أبي حنيفة ثلاث روايات : فروى عنه أبو يوسف أنه نجس مخفف ، وروى الحسن بن زياد أنه نجس مغلظ ، وروى محمد بن الحسن وزفر وعافية القاضي أنه طاهر غير طهور ، وهو اختيار المحققين من مشايخ ما وراء النهر . وفي ( المحيط ) : وهو الأشهر الأقيس . وقال في ( المفيد ) : وهو الصحيح . وقال الأسبيجابي : وعليه الفتوى . وقال قاضيخان : ورواية التغليظ رواية شاذة غير مأخوذ بها ، وبه يرد على ابن حزم قوله : الصحيح عن أبي حنيفة نجاسته . وقال عبد الحميد القاضي : أرجو أن لا تثبت رواية النجاسة فيه عن أبي حنيفة . وعند مالك طاهر وطهور ، وهو قول النخعي والحسن البصري والزهري والثوري وأبي ثور . وعند الشافعي طاهر غير طهور وهو قوله الجديد . وعند زفر إن كان مستعمله طاهراً فهو طاهر وطهور ، وإن محدثاً فهو طاهر غير طهور . وقوله : استعمال فضل وضوء الناس أعم من أن يستعمل للشرب أو لإزالة الحدث أو الخبث أو للاختلاط بالماء المطلق ، فعلى قول النجاسة لا يجوز استعماله أصلاً ، وعلى قول الطهورية يجوز استعماله في كل شيء ، وعلى قول الطاهرية فقط يجوز استعماله للشرب والعجين والطبخ وإزالة الخبث ، والفتوى عندنا على أنه طاهر غير طهور ، كما ذهب إليه محمد بن الحسن . والمناسبة بين البابين من حيث إن الباب السابق في صفة الوضوء ، وهذا الباب في بيان الماء الذي يفضل من الوضوء . وأمَرَ جَرِيرُ بنُ عبْدِ اللَّهِ أهْلهُ أنْ يَتَوَضَّؤُوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ هذا الأثر غير مطابق للترجمة أصلاً ، فإن الترجمة في استعمال فضل الماء الذي يفضل من المتوضىء ، والأثر هو الوضوء بفضل السواك ، ثم فضل السواك إن كان ما ذكره ابن التين وغيره أنه هو الماء الذي ينتقع به السواك ، فلا مناسبة له للترجمة أصلاً لأنه ليس بفضل الوضوء ، وإن كان المراد أنه الماء الذي يغمس فيه المتوضىء سواكه بعد الاستياك ، فكذلك لا يناسب الترجمة . وقال بعضهم : أراد البخاري أن هذا الصنيع لا يغير الماء فلا يمنع التطهر به . قلت : من له أدنى ذوق من الكلام لا يقول هذا الوجه في تطابق الأثر للترجمة . وقال ابن المنير : إن قيل : ترجم على استعمال فضل الوضوء ، ثم ذكر